ورش العمل: «تقليعة» أم أداة منهجية؟!

الأحد, 27 مارس , 2016

د. إحسان بوحليقة
مؤخراً، شاع استخدام «ورش العمل» من قبل العديد من الوزارات كأداة لاستجلاء المرئيات ولبناء توافق بينها. لكن لابد من بيان أن المنهجية هي الأساس في البحث، وهي أكثر تعقيداً في البحوث والدراسات الاجتماعية والعلوم غير البحتة، إذ انها تتعلق بالتعامل مع البشر أو الظواهر الاجتماعية، فالبشر يتفاوتون تفاوتاً كبيراً في كل شيء، ليس فقط في المواقف من الأشياء؛ فمثلاً ستجد أحدهم مركزياً والآخر على النقيض، وقد تجد شخصاً له توجه من قضية اقتصادية والآخر على النقيض تماماً!

عند إجراء الدراسات الاستشارية لإعادة الهيكلة الإدارية مثلاً، أو لإعداد إستراتيجية بما يتطلب تطبيق منهجية التخطيط الاستراتيجي، فتستخدم على نطاق واسع ورش العمل. كما أن ورش العمل تستخدم لانتخاب الآراء والتوجهات، وذلك باعتبار ما ذكرت بداية أن توجهات الأشخاص تتفاوت لحد التناقض بما يتطلب وجود طريقة منهجية للتعامل مع تفاوت الآراء وكثرتها.

كما هو معروف، الاستشاريون يتفاوتون في علمهم وتجربتهم واندفاعهم لإنجاز ما يكلفون به من أعمال، وهذا ينطبق على الاستشاري المحلي والوافد، وينطبق على المكاتب الاستشارية المحلية والأجنبية على حدٍ سواء. ولكن ثمة أسماء عالمية نتوقع أن تتلازم مع الجودة تلازماً غير قابل للانفكاك، لدرجة أن المحور الحرج هو الحرص على الجودة والمهنية، وعلى سلامة المنهجية المستخدمة في تنفيذ أعمالهم، وبل والسعي لتحصين تلك المنهجية من الأخطاء ومداخل الضعف، ولاسيما أن منها مَنّ يعمل حالياً على دراسات لها أهمية استثنائية.

في البحوث اجمالاً، المنهجية هي كل شيء، ولذلك فجزء أساسي من الدراسات التحضيرية للدكتوراة يخصص لطرق البحث، أو لطرق المنهجية للتعامل مع أسئلة البحث، وهي تتفاوت بين رياضية واحصائية وتحليلية. وكما أن هناك أطباء تخدير لا يُمكن لأمهر الجراحين أن يعمل بدون الاستعانة بأحدهم، فكذلك هناك متخصصون بالمنهجيات وأساليب البحث. والدراسات الاستشارية هي بحوث، ولذا لابد لأي دراسة استشارية من منهجية وأسلوب بحث، ولا يعني هذا بالضرورة أن تكون المنهجية معقدة، بل المهم أن تتلاءم وتتسق مع ما يرمي إليه نطاق العمل.

ويبدو أن هناك من رمى الشق الأول من كلمة السر على أحدهم بأن الطريقة لاختزال الآراء ووجهات النظر المتعددة هي أن تَعقد ورشة عمل، ويبدو كذلك أنه لم يلتفت أن ورش العمل لا تطبق «عمال على بطال» إذ لابد لها من اشتراطات وضوابط، وإلا كانت مضيعة للوقت والمال، ولاحظ مضيعة الوقت الهائلة هنا عندما تجلب -مثلاً- مئة خبير ليوم كامل ثم لا تُمكنك المنهجية التي وَضَعت -أو التي وضعها لك الاستشاري، ولا مَن قام بتنفيذها من تحقيق الهدف الذي جَمعت الخبراء من أجله! ضاع ما لا يقل عن مئة يوم عمل لأشخاص لهم مشاغلهم ولهم آراؤهم المعتبرة وإلا لما كنت ستدعوهم للمشاركة في «ورشة العمل» تلك!

من الممنوعات المنهجية عند عقد ورش العمل الهادفة لاختزال الآراء والتوجهات الكثيرة وصولاً إلى توافق، أن تسأل الناس آراءهم ثم تنهي ورشة العمل قبل طحن وعجن تلك الآراء في بوتقة! فبدون ذلك ستنتهي الورشة دون أن تصل إلى توافق، فما فائدة ورشة العمل إذاً؟! منهجياً، أنت بحاجة لإعادة الكَرّة ثانية وربما ثالثة ورابعة لنقاشها من قبل المشاركين أنفسهم، حتى تقترب -مع كل كَرّةٍ- أكثر فأكثر من التجانس وبالتالي بناء توافق بين الآراء والتوجهات.

ليس القصد هنا التوسع في الحديث عن المنهجيات، بل الحديث أن على بيوت الخبرة العالمية (ولا أقول الأجنبية) المكلفة بأعمال، أن تضبط منهجيتها، وأن تُصرّ على ذلك في كل المراحل، بما في ذلك «ورش العمل» التي، إن لم تُضبط وتنفذ تنفيذاً احترافياً منهجياً، فستتحول لمناسبات اجتماعية للتعارف والتقاط الصور، وتشوه مسمى «ورش العمل» لتصبح متلازمة مع إجراء تمرين سَطحي لا يُضيف -في حقيقة الأمر- قيمة.

في وقتٍ من الأوقات، قبل سنوات، طرح مجلس أمناء منتدى الرياض الاقتصادي سؤالاً «ما القضايا التي على المنتدى دراستها؟ أو بصورة أدق: ما أهم القضايا التي على المنتدى دراستها وطرحها عند انعقاده كل سنتين؟ كان بالإمكان أن يغلق مجلس أمناء المنتدى القاعة على أنفسهم والخروج بمقترحات، وربما ستكون ضمن الأهم باعتبار خبرة أعضاء المجلس. الخيار كان نريد فعلاً تصميم طريقة للوصول لأهم القضايا، ليس من وجهة نظر أعضاء مجلس الأمناء، بل للقطاع الخاص، وليس في منطقة الرياض فحسب بل لكل مناطق المملكة. وبعد تفكير وتدبير تم وضع منهجية تؤدي الغرض تحديداً. المنهجية هي دعوة أشخاص (ذكور واناث) من أنحاء المملكة للمشاركة في ورشة العمل، ولكن بعد أن يملأ استبيان، يُبين فيه ما القضايا التي يرى أهمية طرحها، وتلك القضايا مُصَنفة تحت محاور. وقت انعقاد ورشة العمل، ستكون الإجابات قد فُرغت في جداول، ووزع المدعوون إلى مجموعات طبقاً للمحاور؛ محور البنية التحتية ومحور بيئة الأعمال ومحور الموارد البشرية، على سبيل المثال لا الحصر، لتأخذ كل مجموعة تلك الحصيلة وتتناقش فيها. لكن لاحظ أن المجموعة قبل ذلك تكون قد وزعت إلى مجموعات صغيرة لإتاحة نقاش عميق يساعد أعضاء المجموعة على الاتفاق فيما بينهم على ترتيب القضايا، ثم تطرح كل مجموعة صغيرة أولوياتها وتدافع عنها وتبررها على الملأ أمام بقية أعضاء المجموعة المكونة للمحور، وبعد نقاش تصوت المجموعة (المكونة للمحور) على خيارات المجموعات الصغيرة، وبذلك تصل المجموعة المكونة لكل محور لعدد صغير (خمسة مثلاً) من القضايا ذات الأولوية ضمن المحور، في البنية التحتية أو الموارد البشرية على سبيل المثال، وبعد نقاشها تُرتب حسب الأهمية من وجهة نظر المجموعة ككل. بعدها تجتمع كل المجموعات في قاعة، لتعرض كل مجموعة حصيلة جهدها، بأن تختار أهمية قضيتين في المحور المخصص للمجموعة ترى أهمية أن يناقشه المنتدى، وبذلك تنتهي ورشة العمل إلى توافق في اختيار أهم القضايا، وبذلك يكون السؤال الذي طرحه مجلس أمناء المنتدى قد شارك في الإجابة عنه مهتمون من القطاع الخاص من كل جنبات المملكة. ليست هذه كل المنهجية بل فقط ما يتعلق بعقد ورشة العمل.

http://www.alyaum.com/article/4127425